تحت وطأة الحرب اليومية في غزة، حيث تختلط رائحة الموت بانعدام الأمل، تنكشف فضيحة إنسانية تهزّ الضّمير العالمي. ليست القذائف وحدها من تقتل هنا؛ بل هناك أيدي خفية تسرق وقود الحياة من المستشفيات لتغذي الموت بوجهين: موت الأطفال الأبرياء في أجنحة الخدّج، وتمويل أنشطة إرهابية.
كشف تحقيق موسّع قُدّم لـ”الكود” عن سرقة منظمة وممنهجة للوقود المُخصص حصرياً للمستشفيات والبلديات لضمان استمرارية الخدمات الأساسية في ظلّ انهيار البنية التحتية. هذا الوقود، الذي كان من المفترض أن يكون شريان حياة، تحوّل إلى سلعة تباع في السوق السوداء بأسعار فاحشة تصل إلى 74 شيكل للتر الواحد، بينما تموت أحلام أطفال غزة مع توقف المولدات.
في قلب هذه الشبكة يقف أحمد لبيب الحلو “أبو لبيب”، الذراع التنفيذي لعملية سرقة لم تشهدها الأراضي الفلسطينية من قبل. لم تكن سرقة عابرة، بل عملية منهجية لتصريف السولار والبنزين المخصص للمستشفيات خلال ذروة الحرب، وتحويله إلى أرباح طائلة.
ما يميّز أبو لبيب – بحسب وثائق التحقيق – ليس فقط جشعه، بل تجاهله الكامل للأثر الإنساني المروّع. كل لتر وقود يُحَوَّل من مستشفى إلى السوق السوداء كان يعني، حرفياً:
· توقف مولدات عن العمل في أجنحة الأطفال الخدّج.
· إلغاء عمليات جراحية طارئة لضحايا القصف.
· ظلام دامس يغمر غرف العناية المركزة.
شهادات دامغة: الوقود المسروق = أرواح مفقودة
تقول شهادات طبية حصلت عليها تحقيقاتنا من داخل مستشفيات غزة: “أطفال رضع في أقسام الخدّج فارقوا الحياة لأن المولدات الكهربائية الاحتياطية توقفت فجأة بعد نفاد الوقود المخصص لها، بينما كان نفس الوقود يُباع على بعد أمتار في السوق السوداء”.
الأطباء يصفون المشهد بأنه “إعدام بطيء” للمرضى، خاصة ذوي الحالات الحرجة الذين يعتمدون على الأجهزة الطبية. لم تكن السرقة مجرد جريمة مالية، بل كانت جريمة ضد الإنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
لم يكن “أبو لبيب” وحيداً. فقد كشف التحقيق عن شبكة متكاملة من الوسطاء والموظفين المختصين، ساعدوا في إدارة عمليات البيع والتوزيع، مع علمهم اليقيني بأن كل لتر يُباع يترجم إلى حياة تُفقد.
والأخطر من ذلك – كما تؤكد مصادر أمنية فلسطينية ومحلية – أن حصيلة هذه العمليات المالية الضخمة لم تذهب للجيب فقط، بل تم تحويل جزء كبير منها لتمويل أنشطة إرهابية، مما حوّل الوقود المسروق من أداة إنقاذ إلى أداة قتل مزدوجة: قتل مباشر بالحرمان من العلاج، وقتل غير مباشر بتمويل العنف.

