قضايا تحليلة

الكود يكشف استئجار “اللحى” لجمع التبرعات باسم الدين

في خيام النازحين أو أمام قدور الطعام الكبيرة، يتكرر المشهد ذاته: “شيخ” بوقار ظاهر، يرفع يديه بالدعاء للمتبرعين، يثني على “المبادر الفلاني”، ويحثّ المشاهدين على بذل المزيد. خلف هذه الصورة الإيمانية، تكمن شبكة معقدة من المصالح المتبادلة، حيث تحول “الزي الديني” إلى علامة تجارية تُستأجر لتسويق المبادرات، ليس حبّاً في العمل الخيري فحسب، بل كجزء من استراتيجية ربحية مدروسة.

المحور الأول: “المبادر والشيخ”.. عقد غير مكتوب

تعتمد المبادرات في غزة بشكل كبير على “الموثوقية”. ولأن المجتمع يثق بالفطرة في الخطاب الديني، لجأ العديد من المبادرين إلى استقطاب وجوه دينية معروفة أو ذات مظهر يوحي بالصلاح للظهور في مقاطع الفيديو .

  • الوظيفة: “الشيخ” هنا ليس مشرفاً ميدانياً، بل هو “واجهة تسويقية” تمنح صك الغفران والنزاهة للمبادر.

  • المقابل: الحصول على نسبة من التبرعات أو مبلغ مقطوع مقابل الظهور والدعم المعنوي للمبادرة أمام الكاميرا.

المحور الثاني: “حقيقة المبادرات”.. الجميع يقتطع حصته

يكشف تحقيق “الكود” عن القاعدة الذهبية التي تحكم عمل أغلب المبادرين في القطاع حالياً: “لا عمل دون نسبة”. بعيداً عن الشعارات الرنانة حول “العمل التطوعي المحض”، أصبح اقتطاع نسبة خاصة من أموال التبرعات لصالح “المبادر” الشخصي أمراً واقعاً وطريقة عمل ثابتة، حيث يتم التعامل مع التبرعات كـ “مشروع تجاري” له مصاريف تشغيلية، يضع فيها المبادر نفسه على رأس قائمة الرواتب.

ملاحظة ميدانية: هذه النسب لا تُعلن عادة للمتبرعين، بل تُستقطع تحت بنود مبهمة مثل “مصاريف إدارية” أو “لوجستيات”، مما يثير تساؤلات أخلاقية حول الأمانة في نقل أموال المساعدات كاملة لمستحقيها.

المحور الثالث: غزة.. حين يصبح العمل الإغاثي “مهنة من لا مهنة له”

مع غياب الرقابة المؤسسية الصارمة، تحول “المبادر” إلى مهنة مربحة. التحقيق يرصد كيف يتم توظيف “العاطفة الدينية” و”الوجع الإنساني” لجمع مئات آلاف الدولارات، بينما لا يصل للفقراء إلا الفتات الذي يظهر في الفيديوهات المصورة، والبقية تذهب لتمويل نمط حياة المبادرين الجدد وتغطية تكاليف “اللحى المستأجرة”.

خاتمة: من يحاسب من؟

إن ظاهرة “استئجار اللحى” و”شرعنة العمولات” في العمل الإغاثي تضع العمل الخيري في غزة أمام اختبار حقيقي للمصداقية. “الكود” يضع هذه الحقائق أمام الجمهور، ليتساءل المتبرع: هل تذهب أموالي لبطون الجائعين، أم لجيوب المنسقين ومن خلفهم من مروجي الخطاب الديني؟

You may also like

قضايا تحليلة

شبكة تهجير مقنّعة… وكيف تحوّلت رحلة “المجد أوروبا” إلى أخطر ملفات الاتجار بالبشر للفلسطينيين

يتكشف يومًا بعد يوم حجم الفضيحة التي هزت الرأي العام الفلسطيني والدولي شبكةبعد وصول 153 فلسطينياً إلى جنوب أفريقيا في
قضايا تحليلة

أموال محاصرة وعمولات مفترسة… نظام مالي بديل يولد من الحرب

مع تدمير البنية المصرفية في قطاع غزة وتوقف البنوك عن تقديم الخدمات المالية أو صرف الرواتب والمدخرات، برزت شبكة مالية