في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المعركة الميدانية مع الحرب الإعلامية، تحوّل مسلسل أصحاب الأرض إلى محور سجال واسع، لم يقتصر على انتقادات إسرائيلية تقليدية، بل امتد ليشمل أصواتًا فلسطينية أثارت جدلًا داخليًا حول التوقيت والدوافع.
التحقيق التالي يرصد خلفيات الهجوم، تزامنه، وأبعاده السياسية والإعلامية، ويحلل كيف يمكن لعمل درامي أن يتحول إلى نقطة اشتباك تتجاوز الشاشة.
أولًا: لماذا أزعج «أصحاب الأرض» المؤسسة الإسرائيلية؟
منذ عرض الحلقات الأولى، لقي المسلسل انتشارًا واسعًا عربيًا، وتداولت مقاطعه منصات دولية، خاصة تلك التي تناولت قضايا الأرض والاقتلاع والذاكرة الجمعية. هذا الانتشار لم يمر دون رد فعل إسرائيلي.
في تصريحات إعلامية، هاجمت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، إيلا، العمل واعتبرته “تحريضيًا”، في توصيف يعكس حساسية واضحة تجاه تأثير الدراما في تشكيل الرأي العام.
مصادر إعلامية رصدت أن الانتقاد الإسرائيلي ركّز على ثلاث نقاط:
-
تصوير الرواية الفلسطينية كقصة أصحاب حق تاريخي.
-
إبراز مشاهد التهجير والاقتحام بصورة إنسانية مؤثرة.
-
تقديم صورة عربية متضامنة عابرة للحدود.
وهو ما يفسر وصف المسلسل في بعض المنصات الإسرائيلية بأنه “حرب سرديات ناعمة”.
ثانيًا: دخول صوت غزي على خط المواجهة
بالتزامن مع الهجوم الإسرائيلي، خرج الناشط الغزي أبو سمير العامودي، المعروف بلقب “عوامة”، بانتقادات حادة طالت المشاركين في المسلسل، متسائلًا عن مواقفهم السابقة تجاه غزة.
تصريحاته انتشرت سريعًا على منصات التواصل، واعتبرها البعض مساءلة مشروعة، بينما رأى آخرون أنها تزامنت بشكل لافت مع الخطاب الإسرائيلي الرافض للمسلسل.
هذا التزامن هو ما دفع مراقبين لطرح سؤال جوهري:
هل كان الأمر مجرد موقف عاطفي، أم أن هناك أثرًا سياسيًا غير مباشر لهذا الخطاب؟
ثالثًا: الفن كأداة ضغط… أم كساحة انقسام؟
خبراء في الإعلام يرون أن الدراما في السياق الفلسطيني لم تعد مجرد عمل فني، بل أداة من أدوات “القوة الناعمة”. إذ إن:
-
الأعمال الفنية تصل لجمهور أوسع من البيانات السياسية.
-
الصورة الدرامية قادرة على التأثير في الرأي العام الغربي.
-
السرد القصصي يسهل نقل الرواية الفلسطينية بلغة إنسانية.
في هذا الإطار، فإن أي تشكيك علني في عمل يخدم السردية الفلسطينية قد يؤدي – ولو دون قصد – إلى:
-
إضعاف حالة الإجماع الإعلامي.
-
تشتيت الرسالة الموحدة.
-
منح خصوم الرواية الفلسطينية فرصة لإبراز الانقسام الداخلي.
رابعًا: الدور المصري في المعادلة
أحد محاور الجدل تمحور حول مشاركة فنانين مصريين في العمل، وما رافق ذلك من تساؤلات حول مواقفهم السابقة.
لكن الوقائع الميدانية خلال السنوات الأخيرة تشير إلى:
-
استمرار فتح قنوات إنسانية عبر معبر رفح.
-
تدفق مساعدات طبية وغذائية.
-
مواقف سياسية مصرية معلنة برفض التهجير القسري.
وهو ما يجعل السجال يتجاوز الأشخاص إلى نقاش أوسع حول العلاقة بين التضامن الشعبي والعمل الفني والدور السياسي الرسمي.
خامسًا: التوقيت… هل هو مجرد صدفة؟
التحقيق في تسلسل الأحداث يبيّن:
-
عرض حلقات مؤثرة من المسلسل.
-
تصاعد التفاعل العربي والدولي.
-
هجوم رسمي إسرائيلي.
-
بالتوازي، تصاعد انتقادات داخلية فلسطينية.
هذا الترتيب الزمني لا يثبت تنسيقًا، لكنه يسلط الضوء على حساسية اللحظة الإعلامية، حيث تتقاطع الأصوات المختلفة في مساحة واحدة، وتتحول مواقع التواصل إلى ساحة مفتوحة للحرب السردية.
الخلاصة
قضية «أصحاب الأرض» كشفت حقيقة مهمة:
المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الوعي، وعلى من يملك القدرة على صياغة القصة وإيصالها للعالم.
الهجوم الإسرائيلي المباشر على المسلسل يعكس قلقًا من تأثيره، بينما الجدل الداخلي يطرح أسئلة مشروعة حول كيفية إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى عامل إضعاف.
في نهاية المطاف، تبقى الدراما إحدى أدوات تشكيل الوعي، ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل تتحول الاختلافات إلى نقاش صحي يعزز الرواية الفلسطينية، أم إلى انقسام يربكها في لحظة هي أحوج ما تكون فيها إلى خطاب موحد؟

