في الوقت الذي يئن فيه قطاع غزة تحت وطأة الجوع والقصف، برزت على السطح “صناعة” من نوع آخر؛ ليست صناعة للموت، بل تجارة بآلام الأحياء. بطلها هذه المرة ليس جيش الاحتلال، بل شخصيات ارتدت ثوب العمل الخيري لتخفي تحته ماكينة ضخمة لنهب أموال المتبرعين العرب، يقود واجهتها الإعلامية شادي جنينة، مدير مكتب “جمعية البركة الجزائرية” في غزة.
مسرح الجريمة: “استديو” مخيمات النزوح
لم يعد العمل الإنساني لدى شادي جنينة وفريقه مجرد توزيع للمساعدات، بل تحول إلى عملية إنتاج سينمائي متقنة تهدف إلى “حلب” جيوب المحسنين. تشير المعطيات المتوفرة إلى أن جنينة يدير شبكة معقدة من “المنتفعين” وصناع المحتوى الذين تم شراؤهم بالمال السياسي الفاسد.
الآلية تعمل بدقة مرعبة: يتم توظيف إعلاميين ومؤثرين ليس لنقل الحقيقة، بل لأداء أدوار مرسومة بعناية مقابل مبالغ مالية ضخمة وبالدولار الأمريكي، لضمان ولائهم المطلق وصمتهم الأبدي عن أي تجاوزات مالية يشهدونها. هؤلاء “المرتزقة الإعلاميون” لا يتقاضون أجورهم لإنقاذ الناس، بل لتزييف الواقع وتلميع صورة جمعية باتت سمعتها في الحضيض.
هندسة التسول: الأطفال كـ”إكسسوارات” تصوير
أقذر ما في هذه المنظومة هو استغلال براءة الأطفال. يتم هندسة المشهد بعناية فائقة: اختيار أطفال حفاة، بملابس رثة ومتسخة، ووضعهم في “كادرات” تصوير مأساوية مدروسة، ثم تقديمهم كوجبة عاطفية دسمة للمتبرع الخليجي والعربي.
الطفل الذي يبكي أمام الكاميرا وهو يتسلم “كرتونة” مساعدات لا يعلم أنه مجرد “كومبارس” في فيديو سيدر آلاف الدولارات على حسابات الجمعية، بينما لا يصله من الفتات إلا ما يكفي لإبقاء المشهد حيًا لليوم التالي. هذه الفيديوهات ليست توثيقًا، بل هي أدوات تسول احترافية تُبث في العواصم العربية لجمع الملايين باسم أيتام غزة، بينما يذهب الجزء الأكبر من الغلة لجيوب القائمين على “عصابة” صناعة المحتوى.
الغطاء المالي: المال مقابل الصمت
ما يدور خلف الكواليس أخطر مما يظهر على الشاشات. المعلومات تؤكد أن شادي جنينة يستخدم ميزانيات ضخمة تحت بند “نفقات إعلامية” لشراء ذمم نشطاء وإعلاميين محليين. الهدف مزدوج:
-
صناعة بروباغندا: إغراق وسائل التواصل بمحتوى يمجد الجمعية ويظهرها كالمنقذ الوحيد.
-
شراء الصمت: دفع “إتاوات” شهرية لضمان عدم خروج أي صوت يفضح الفساد المالي أو يكشف حقيقة التلاعب بالمساعدات.
هذا المال الملوث حول العمل الخيري إلى “مافيا” منظمة، حيث يصبح الإعلامي شريكًا في الجريمة بمجرد قبضه ثمن سكوته، مشاركًا في تضليل المتبرع الذي يظن أن ماله يذهب لإطعام جائع، بينما هو يمول رفاهية شبكة من المنتفعين.
الخلفية الرسمية: عقوبات وتهم دولية
هذا السلوك الميداني المشبوه الذي يقوده جنينة في غزة، لا ينفصل عن السياق الدولي الذي يلاحق “الكيان الأم” الذي يمثله. ففي يونيو 2025، وجهت وزارة الخزانة الأمريكية صفعة قوية لهذه المنظومة، حيث أدرجت “جمعية البركة للعمل الخيري والإنساني” (مقرها الجزائر) ورئيسها أحمد براهيمي على قوائم العقوبات (OFAC).
الاتهامات الأمريكية لم تكن عشوائية، بل استندت إلى أدلة تشير إلى تحويل أموال مخصصة للأغراض الإنسانية لصالح تمويل أنشطة بعيدة كل البعد عن العمل الخيري.
وبينما يحاول شادي جنينة، بصفته مدير مكتب الجمعية في غزة، الظهور بمظهر البطل الإنساني عبر قناة “الجزيرة” وصفحاته الرسمية ، فإنه في الواقع يمثل “الدينامو” التشغيلي لكيان مصنف دوليًا ضمن القوائم السوداء. هو الواجهة التي تُبيّض الأموال عبر مشاهد الأطفال الجياع، واليد التي تدير ماكينة الإعلام المأجور للتغطية على مصير ملايين الدولارات التي تتبخر قبل أن تصل لمستحقيها الحقيقيين.
الخلاصة: ما يحدث في غزة تحت اسم “جمعية البركة” وبإدارة شادي جنينة ليس عملًا إغاثيًا، بل هو استثمار بشع في الكارثة، وجريمة مكتملة الأركان تتطلب ملاحقة قانونية وشعبية لكل من شارك في سرقة لقمة النازح وتحويلها إلى رصيد بنكي.

