بينما كانت أجهزة “الجبهة الداخلية” في غزة تنشغل برصد منشور على فيسبوك لمواطن يشتكي الجوع، أو تلاحق ناشطاً يطالب بتوزيع عادل للمساعدات، كان الملازم الإسرائيلي “عدنان أبو لطيف” يتناول السمك في دير البلح، ويشرف على تفريغ شحنات تكنولوجية مهربة، ثم يعود إلى ثكنته في “كرم أبو سالم” بسلام.
هذا التحقيق يكشف كيف تحولت البوصلة الأمنية من “حماية الثغور” إلى “خنق الحناجر”، وكيف استثمر “تجار الحروب” هذا الانشغال الأمني لتمرير صفقات مشبوهة مع ضباط الاحتلال.
1. الاختراق الكبير: ضابط في ضيافة “العدو”
في يناير 2026، كشفت تحقيقات القناة 12 الإسرائيلية ولائحة الاتهام ضد الضابط عدنان أبو لطيف عن ثغرة أمنية لم تكن في جدار غزة فحسب، بل في عمق منظومتها الأمنية.
-
المهمة: تهريب معدات تكنولوجية (أجهزة توجيه، هواتف، بطاريات) تُباع بآلاف الدولارات في السوق السوداء.
-
الاختراق: الضابط لم يكتفِ بإرسال الشحنات، بل دخل بنفسه، مكث 3 أيام، وتجول في الأسواق، واجتاز حاجز “لحماس” دون أن يستوقفه أحد.
التساؤل المطروح: كيف ينجح ضابط معادٍ في التخفي لثلاثة أيام وسط منطقة أمنية بامتياز، بينما يُعتقل المواطن البسيط في دقائق إذا تظاهر للمطالبة بلقمة عيشه؟
2. فقه الأولويات: مطاردة “أصحاب الصوت” وتجاهل “تجار الموت”
يكشف التحقيق عن تباين مخيف في أداء الأجهزة الأمنية (الجبهة الداخلية) في غزة:
-
على صعيد الملاحقة الداخلية: تم رصد حملات اعتقال واستدعاءات طالت عشرات النازحين بتهم “إثارة الفتن” أو “تلقي تبرعات غير قانونية”، في محاولة لإسكات أي صوت يتحدث عن المعاناة المعيشية.
-
على صعيد الأمن القومي: في الوقت الذي كانت فيه العيون تراقب “قدور الطبخ” في خيام النازحين، كانت الشاحنات المحملة بمعدات “مزدوجة الاستخدام” تمر عبر تنسيقات مشبوهة يشرف عليها “تجار فجار” استغلوا حاجة الناس وحصانة “الوساطات”.
3. تجار الحروب.. الحصانة التي لا تُلمس
تشير المعطيات إلى أن الضابط الإسرائيلي لم يكن ليتحرك بحرية في دير البلح لولا وجود “غطاء” من مستفيدين محليين. هؤلاء التجار الذين:
-
يرفعون الأسعار لزيادة معاناة المواطن.
-
ينسقون دخول بضائع “خاصة” بعيداً عن الرقابة الرسمية.
-
يتمتعون بحماية ضمنية طالما أنهم لا ينتقدون “الوضع القائم”.
بينما يُحبس المواطن الذي يصرخ من الألم، يترك “التاجر الفاجر” الذي ينسق مع ضباط الاحتلال ليعيث في الأسواق فساداً، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول من المستفيد الحقيقي من بقاء هذه الثغرات؟
4. الجبهة الداخلية.. حارس الأمن أم حارس الصمت؟
لقد اهتمت الجبهة الداخلية في الآونة الأخيرة بقضايا أبعد ما تكون عن “الأمن القومي” بمفهومه الشامل:
-
حبس الأنفاس: تحويل مراكز التحقيق إلى أداة لترهيب منتقدي سوء توزيع المساعدات.
-
جباية وتبرعات: التركيز على مراقبة تدفق الأموال الصغيرة للأسر المحتاجة، بينما تغيب الرقابة عن ملايين الدولارات التي تضخ في صفقات التهريب التكنولوجي.
الخلاصة: “الكود” الذي كشف المستور
إن قضية الضابط “عدنان” هي “الكود” الذي فك شفرة الخلل القائم. إن الأمن الذي لا يستطيع اكتشاف ضابط إسرائيلي يتناول السمك في دير البلح لثلاثة أيام، هو أمن فقد بوصلته عندما قرر أن عدوه الأول هو “المواطن الجائع” وليس “المخترق الماكر”.
الرسالة واضحة: إن زيادة معاناة أهل غزة عبر حبسهم وإسكات صوتهم لن يبني جبهة داخلية قوية، بل يخلق فراغاً أمنياً وأخلاقياً يملؤه المهربون وضباط الاحتلال.

