مقالات

حين يتحوّل لقب “المُبادر” إلى شبهة : بقلم: الكود

في الأصل، يحمل مصطلح “المُبادر” معنى إيجابيًا؛ فهو يُطلق على الشخص الذي يمتلك فكرة، أو رؤية، أو قدرة على إحداث تغيير حقيقي في مجتمعه. غير أن هذا المفهوم، للأسف، تعرّض في واقعنا المحلي لتشويه كبير أفقده جوهره ومعناه.

فلو كان المُبادر يمتلك عملًا رسميًا أو مصدر دخل حقيقيًا، أو حتى مشروعًا واضح المعالم، لكان مفهوم المبادرة منطقيًا ومقبولًا. لكن الإشكالية تبدأ عندما يظهر بعض من يقدّمون أنفسهم على أنهم “مبادرون”، بينما لا يمتلكون أي نشاط مهني واضح، ولا مشروع اقتصادي حقيقي، ومع ذلك تطرأ تغيّرات سريعة وكبيرة على أوضاعهم المادية؛ سيارات أحدث، هواتف باهظة، ونمط حياة لا ينسجم مع أي مصدر دخل معلوم.

هذا الواقع خلق حالة من الشك العام، حتى باتت كلمة “مبادر” عند كثيرين مرادفًا للريبة، لا للإعجاب. ليس لأن المبادرة فكرة سيئة، بل لأن الممارسة السيئة شوّهت المصطلح. فالناس بطبيعتها تبحث عن المنطق: من أين جاء هذا المال؟ ما هو العمل الحقيقي وراء هذا الثراء المفاجئ؟

الأكثر إرباكًا أن بعض هؤلاء يلوذ بخطاب ديني أو أخلاقي لتبرير ما لا يمكن تفسيره اقتصاديًا، فتُستخدم عبارات من قبيل “التجارة مع الله” أو “العمل الخيري” كغطاء جاهز لأي سؤال مشروع. وعندما يُسأل أحدهم ببساطة عن مصدر امتلاكه لسيارة فارهة أو هاتف حديث، تأتي الإجابات المراوغة بدل الشفافية.

القضية هنا ليست هجومًا على المبادرة كمفهوم، بل دفاع عنها. فالمبادرة الحقيقية تقوم على فكرة، وجهد، وشفافية، وأثر ملموس في المجتمع. أما حين تُستخدم الكلمة كواجهة بلا مضمون، فإن الخطر لا يقتصر على فقدان الثقة بالأفراد، بل يمتد إلى ضرب قيمة العمل المجتمعي كله.

إعادة الاعتبار لمفهوم “المبادرة” تبدأ من الوضوح: وضوح في العمل، في التمويل، في النتائج. دون ذلك، سيبقى اللقب جميلًا في معناه… مشوّهًا في واقعه.

You may also like

مقالات

الفساد في غزة: خطر يهدد المجتمع ويتطلب مواجهة حازمة

د. لؤي السقا – خبير الاقتصاد والعلاقات الدولية شهدت غزة خلال الحرب الأخيرة موجة من الفساد التي أثرت سلبًا على
مقالات

الفساد فيما تسمى المساعدات الإنسانية لغزة

الكاتب: إبراهيم أبراش من المفروغ منه مسؤولية الكيان الصهيوني ككيان استعماري عنصري إرهابي عن كل مصائب الشعب الفلسطيني وعدم الاستقرار