بينما تُزهق الأرواح تحت الأنقاض وتتجمد قلوب الأمهات على أطفالهن جوعاً في غزة، تخرج من بين الركام فتات لصوصية لم ترحم حتى قدسية الجوع ولا حرمة الدم. ليسوا محتلين، بل ينتمون إلى جلدتها، تسللوا إلى ثقة الناس، فتاجروا بألمهم، وسرقوا لقمة أطفالهم، وهربوا ليبنوا قصوراً من ألم شعب.
في قلب المأساة الإنسانية في قطاع غزة، حيث تُوزع علبة الطعام على أسرة قد تكون آخر ما تذوقته، كان هناك من يحولون هذه العلبة إلى كنز. المعلومات الأولية والمطالبات الملحة من داخل القطاع تُسلط الضوء على قصة هروب ممنهج لعدد من المكلفين بمساعدات الناس.
في صدارة المطلوبين للعدالة الشعبية يأتي اسم محمد الخطيب، المدير السابق للجنة الزكاة في دير البلح. وفقاً لشهود عيان ومصادر مطّلعة داخل المؤسسات الخيرية، قام الخطيب بتحويل أموال التبرعات والزكوات والمساعدات المخصصة للمحتاجين إلى حسابات شخصية. ليس هذا فحسب، بل إن المعلومات تشير إلى أنه دفع ما يقارب 40 ألف دولار كرشاوى لتسهيل هروبه مع أسرته (زوجته، أولاده، وأمه) عبر معبر رفح إلى مصر.
المفارقة الصادمة ليست في هروبه، بل في مقر إقامته الجديدة: فيلا في مدينة الرحاب، إحدى أرقى وأغلى المدن السكنية في القاهرة، حيث يعيش حياة البذخ التي يمولها من دماء وأرزاق من كان من المفترض أن يكون أول من يساعدهم.
التحقيق لا يتوقف عند الخطيب، بل يكشف عن شبكة متكاملة. يُذكر اسم محمد تمراز، الموصوف كمُقرب من حركة حماس في دير البلح والمسؤول عن ملف الكوبونات والمساعدات في المنطقة. تقول المصادر إنه كان شريكاً في عمليات تحويل الأموال، قبل أن يهرب بدوره إلى مصر، حيث لا يزال، مع الخطيب، يواصلان جمع التبرعات من الخيرين في مصر والمغتربين باسم أهل غزة، لتصب هذه الأموال الجديدة في جيوبهما الخاصة، مُستخدمين ذات الأسماء والثقة التي أساءا استغلالها سابقاً.
ولتكتمل حلقة الفساد، يبرز اسم ثالث: حمدي الحسنات،”حرامي الخيم والمساعدات”، بعد اتهامات مباشرة له بالاستيلاء على مساعدات إغاثية عينية (خيام، أطعمة، أغطية) وبيعها في السوق السوداء، قبل أن يلحق برفيقيه هارباً إلى الأراضي المصرية.
الضحايا هنا هم كل أب لم يجد لقمة لعياله، وكل أم رأت طفلها يضع يده على بطنه من الجوع، وكل عائلة تأخرت عنها الخيمة في عز الشتاء. هم الذين تبرعوا بقوتهم ليصل إلى من هو أحوج، فإذا به يذهب لتمويل فيلات وسيارات فارهة. هذه الجرائم لا تقل بشاعة عن جريمة الحرب، فهي سرقة للأمل، وخيانة للثقة، وطعنة في ظهر المقاومة الحقيقية التي تصنعها المعدات الخاوية.
هذا التحقيق هو نداء استغاثة وصرخة غضب. إنه ليس اتهاماً عشوائياً، بل توثيق لصوت الشارع الغزي المكلوم. الأسماء وُردت، والاتهامات خطيرة، والأماكن حددت. الوقت الآن يحتم على كل جهة معنية أن تفتح تحقيقاً جاداً وعاجلاً. لا تكفي البيانات الإنكارية، بل يجب محاسبة كل من تسول له نفسه التجارة بدماء الغزيين. أموال المساعدات خط أحمر، ومن سرقها فهو شريك في حصار الجوع، ولو كان يحمل أرقى الألقاب.

