تحقيقات خاصة

نور النجار تحت المجهر: تبرعات غزة بين الإغاثة المعلنة والحساب الغائب

في ظل واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية التي يشهدها قطاع غزة، تتكثّف حملات جمع التبرعات تحت عناوين الإغاثة وإعادة الإعمار. غير أن اتساع هذه الحملات، وغياب الرقابة والشفافية، يفرضان على الصحافة دورها الطبيعي: التحقّق، والتدقيق، وطرح الأسئلة الصعبة.

هذا التحقيق يتناول مبادرة تقودها الصحافية والناشطة نور النجار، استنادًا إلى بيانات مالية منشورة علنًا وتصريحات موثقة، بهدف فحص التناقض بين الخطاب الإنساني المعلن وآليات جمع الأموال وإدارتها.

139 ألف يورو لمنزل واحد… رقم يتجاوز السياق

تُظهر البيانات المنشورة على منصة GoFundMe أن حملة أطلقتها نور النجار تحت عنوان إعادة بناء منزلها المدمّر في غزة جمعت 139,109 يورو.

في قطاع محاصر، تُبنى فيه المساكن بموارد محدودة وتكلفة أقل بكثير حتى في الظروف الطبيعية، يطرح هذا الرقم تساؤلات جوهرية:
• ما السقف الحقيقي لتكلفة بناء منزل في غزة؟
• ولماذا استمر جمع التبرعات إلى هذا المستوى دون إعلان توقف أو تعديل الهدف؟
• هل جرى إبلاغ المتبرعين بتغيّر نطاق الحملة أو توسيعها؟
الرقم، بحد ذاته، لا يُعد إدانة، لكنه يفتح بابًا واسعًا للتدقيق المشروع.

خطاب إنساني مقابل منظومة تحصيل متعددة القنوات

في مقابلات إعلامية وبودكاستات مختلفة، قدّمت النجار نفسها بصفتها فردًا بلا حسابات بنكية، وأشارت إلى اعتمادها على سحب مبالغ محدودة وتقديم أولوية للفريق والعاملين معها.
غير أن تتبّع قنوات جمع التبرعات يُظهر شبكة تحصيل واسعة تشمل:
• روابط متعددة على GoFundMe.
• استقبال تبرعات عبر PayPal.
• تحويلات بعملات رقمية عبر Binance.
• استقبال أموال عبر Vodafone Cash.
هذا التعدد في القنوات يوحي بوجود إدارة مالية منظّمة تتطلب خبرة تقنية وبنكية، ما يخلق فجوة واضحة بين الخطاب المعلن والواقع العملي لإدارة الأموال.

ادعاء التوزيع الكامل… وغياب الأدلة

تصف المبادرة نفسها في منصاتها المختلفة بأنها تقوم بـ:
• توزيع 100% من التبرعات.
• إدارة مطابخ إغاثية.
• تشغيل شاحنات مياه.
• رعاية عدة مخيمات للنازحين.
لكن البحث في المواد المنشورة لا يُظهر:
• أي كشوفات مالية تفصيلية.
• قوائم مستفيدين.
• فواتير شراء أو نقل.
• تقارير تدقيق مستقلة.
• بيانات صرف موثقة زمنياً.

في العمل الإنساني، لا تُقاس النوايا بالتصريحات، بل بالأدلة القابلة للتحقق. وغياب هذه الأدلة يحوّل الادعاءات الكبيرة إلى نقاط ضعف جوهرية في المصداقية.

الصفة الصحافية ومسؤولية المساءلة
تُقدَّم نور النجار على أنها صحافية وناشطة إنسانية. غير أن الصفة الصحافية لا تمنح حصانة من المساءلة، بل تفرض معايير أعلى من الشفافية.

فالصحافي، بحكم مهنته، مطالب بأن يكون أول من يكشف حسابه للرأي العام، لا أن يطالب بالثقة دون تقديم وثائق. استخدام المكانة الإعلامية في حشد التعاطف وجمع الأموال يضع المسؤولية الأخلاقية في أعلى مستوياتها.

You may also like

تحقيقات خاصة

سفر ملاك فضة… فضيحة إنسانية تكشف شبكة فساد تمتد من غزة إلى المستشفى الميداني الأردني

في قطاع غزة المدمر، حيث يتنفس المرضى على قوائم الانتظار والموت يتربص بالأطفال ومرضى السرطان، تفجرت قضية سفر المبادِرة ملاك
تحقيقات خاصة

جيش الظل الرقمي.. ذراع حماس الخفية لتشويه الخصوم وابتزاز التجار

في فلسطين اليوم، لم يعد السجن جدرانًا من إسمنت وحديد. هناك سجن آخر، أشدّ قسوة وأخفى أثرًا: سجن رقمي تديره