تحقيقات خاصة

اقتصاد الظل في غزة: كيف قاد محمد مصطفى غانم منظومة نهب منظّمة على حساب الجوعى؟

لم يعد محمد مصطفى غانم اسمًا إداريًا في شركة تجارية، بل تحوّل إلى رأس منظومة اقتصادية موازية أعادت تشكيل السوق في قطاع غزة بالقوة والاحتكار. هذا التحقيق لا يتناول سيرة رجل أعمال، بل يكشف شبكة فساد ممنهجة استخدمت الغطاء المؤسسي والأمني لتحويل الحصار والحرب والجوع إلى مصادر ربح، وجعلت من شركة “مالتي تريد” دولة داخل الدولة.

على مدار سنوات، وبعيدًا عن أي رقابة فعلية، صعد غانم ليقود شبكة جمعت بين المال والسلطة والسلاح، وأمسكت بمفاصل حيوية: التحويلات المالية، تراخيص الاستيراد، التسعير، وسلاسل التوريد. شبكة لم تكتفِ باستغلال الأزمات، بل صنعتها، ولم تكتفِ بالاستفادة من المعاناة، بل حوّلتها إلى نموذج عمل.

الجذور: من “حل اقتصادي” إلى مركز نفوذ

تعود جذور “مالتي تريد” إلى عام 2017، حين تأسس ما وُصف بـ“مجلس اقتصادي” هدفه المعلن إيجاد بدائل عن شبكات الصرافين ذات العمولات المرتفعة. المهندس الأول كان عصام الدعليس، رئيس اللجنة الاقتصادية في حركة حماس آنذاك، الذي سعى لتنظيم التمويل الداخلي.

غير أن توسّع نفوذ الدعليس المالي خلق صدامًا مع مراكز قوى داخل الحركة، لا سيما مع محمد السنوار. جاءت النتيجة بإقصاء هادئ: ترقية شكلية إلى منصب حكومي منزوع الصلاحيات المالية. ومع هذا الإقصاء، أُعيد تشكيل الهرم.

الصعود: محمد مصطفى غانم في القمة

تحت الإشراف المباشر لمحمد السنوار، جرى تعيين محمد مصطفى غانم (أبو مصطفى) رئيسًا لمجلس إدارة “مالتي تريد”، لتصبح الشركة الذراع التنفيذية لمنظومة اقتصادية جديدة. غانم، المنحدر من مخيم البريج، يتمتع بعلاقات وثيقة مع دوائر عسكرية نافذة، أبرزها قربه من مروان عيسى (أبو البراء). هذه العلاقة وفّرت له غطاءً أمنيًا مكّنه من إدارة الشبكة دون مساءلة.

إحكام القبضة: من البنك إلى الأسواق

بدأ غانم بتثبيت نفوذه عبر “البنك الوطني”، حيث سيطر على مفاصل القرار وأُقصي معارضوه. ثم اتجه إلى سوق الجوالات كأداة لغسيل الأموال، عبر شبكة محلات افتُتحت باسم شقيقه مازن وبشراكات مع تجار بارزين، لتدوير الأموال بين تحويلات وبضائع وسيولة “نظيفة”.

دائرة الحماية: رجال الظل

إلى جانب غانم، برز منذر حبوش، الملقب بـ“زرارة اليمين”. يتمتع حبوش بحماية استثنائية بسبب عمل نجليه في جهاز استخبارات القسام، ما جعل الشبكة محصّنة من أي مساءلة.

مجلس الإدارة: تحالف المصالح

تشكل مجلس إدارة “مالتي تريد” ليعكس موازين القوة:

وسام الحسن (أبو السعيد/الجنجي): نائب الرئيس، المتحكم فعليًا بوزارة الاقتصاد، وملفات التراخيص والتسعير.

أبو نائل الحداد: تحوّل إلى أكبر موردي الإسمنت عبر احتكار مدعوم رسميًا.

شريف السوافيري: لاعب أساسي في أزمة الدجاج والتحكم بالمعروض والأسعار.

ضبان: سيطر على سوق الأجهزة الكهربائية عبر الإغراق السعري وإفلاس المنافسين.

محمد السراج: عضو لاعتبارات توازنات عائلية.

سليم أبو كميل: منسق مع الجهات العليا.

الذراع التنفيذية: وكلاء النهب زمن الحرب

مع اشتداد الحصار والحرب، تولت شبكة من الوكلاء تحويل المساعدات والتحويلات إلى أرباح. أبرزهم ثلاثي:

فرج أبو النجا (القاهرة): وسيط التحويلات الكبرى بعمولات تجاوزت 45%.

حسام الخضري: المتحكم بسوق الصرف السوداء، وواجهة لغسيل أموال محتمل.

باسم ماضي: صعود من مندوب معبر إلى مليونير عبر الإتاوات واحتكار معلومات الشحن.

اقتصاد الدم: تجارة تحت غطاء الإغاثة

تحويلات المغتربين، إدخال السلع النادرة، تهريب الدخان، كلها تحولت إلى عمليات عالية الربحية. علبة دخان تُباع بأضعاف سعرها، إسمنت يُخزّن لرفع الأسعار، ودجاج يُطرح وفق توقيت يخدم الاحتكار. حتى المساعدات الإنسانية خُصمت منها “عمولات” تحت مسميات لوجستية وأمنية.

غرفة التحكم: الدولة كشركة

لم تكتفِ الشبكة بالأسواق، بل استخدمت أدوات الدولة:

احتكار التراخيص: الموافقات تُمنح للشركاء وتُعطّل للمستقلين.

تسعير الأزمات: سعر صرف مرجعي يرفع التكاليف على الجميع.

الإفلاس القسري: إغلاقات فنية لمحطات وقود ومحال منافسة لشرائها بأسعار زهيدة.

الشراكات الإجبارية: فرض موردين محددين على مشاريع الإعمار بهوامش أعلى من السوق.

الأجنحة داخل المؤسسات

اعتمدت الشبكة على موظفين نافذين داخل وزارات الاقتصاد والمالية وهيئات المعابر، وعلى تسريب معلومات مصرفية وأمنية عن التحويلات والشحنات، ما منحها أفضلية استباقية على أي منافس.

الخاتمة: منظومة لا أفراد

ما يكشفه هذا التحقيق ليس فساد أشخاص معزولين، بل نظامًا اقتصاديًا موازيًا قاده محمد مصطفى غانم وشركاؤه، حوّل الحصار والحرب إلى نموذج ربح، واختطف اقتصاد غزة لصالح أقلية محمية بالقوة.

يبقى السؤال معلقًا فوق ركام القطاع:
هل تُفتح يومًا تحقيقات جادة ومحاسبات علنية، أم يبقى اقتصاد الظل هو الحاكم الفعلي، حتى بعد انقشاع غبار آخر عدوان؟

 

You may also like

تحقيقات خاصة

سفر ملاك فضة… فضيحة إنسانية تكشف شبكة فساد تمتد من غزة إلى المستشفى الميداني الأردني

في قطاع غزة المدمر، حيث يتنفس المرضى على قوائم الانتظار والموت يتربص بالأطفال ومرضى السرطان، تفجرت قضية سفر المبادِرة ملاك
تحقيقات خاصة

جيش الظل الرقمي.. ذراع حماس الخفية لتشويه الخصوم وابتزاز التجار

في فلسطين اليوم، لم يعد السجن جدرانًا من إسمنت وحديد. هناك سجن آخر، أشدّ قسوة وأخفى أثرًا: سجن رقمي تديره