تحقيقات خاصة

حين تُنهب غزة باسم الله – “شحاتين البنا”.. شبكة فساد تتاجر بدموع المنكوبين

شحاتين البنا

في غزة، حيث يُقاس الوقت بعدد الشهداء، وحيث الجوع حقيقة يومية، لم تعد الكارثة مقتصرة على القصف وحده. تحت الركام، ووسط طوابير الجائعين، ظهرت كارثة موازية أكثر قبحًا: منظومة امتهنت التسول باسم الإغاثة، وحوّلت دموع المنكوبين إلى مورد مالي ضخم، بلا رقابة ولا مساءلة.

هذا التقرير يكشف شبكة “شحاتين البنا”، حيث تتقاطع الأسماء، وتُختلس الأموال، ويُترك الفقراء بلا أي أثر ملموس للمعونات.

نزيه البنا: رأس الشبكة ومسؤولية الإدارة

نزيه البنا يشكّل محور هذه المنظومة. شغل مناصب حساسة في مؤسسات خيرية عدة، بينها مدير المشاريع في الجمعية الوطنية للتطوير والتنمية “نماء”، حيث أشرف على مشاريع تأهيل المعاقين في محافظتي الوسطى وخان يونس. هذه المشاريع، رغم ضخامة التمويل المعلن، لم تُرفق بتقارير مالية أو كشوف توزيع واضحة، تاركة أثرًا باهتًا على الأرض.

كما تولّى إدارة مكتب اللجنة الخيرية لمناصرة فلسطين – فرنسا في غزة، وهو موقع يمنحه صلاحيات كاملة لاستقبال التبرعات الخارجية، وتمثيل اللجنة أمام الإعلام والمتبرعين، دون أي رقابة حقيقية. بالإضافة إلى ذلك، كان ممثلًا لتجمع المؤسسات الخيرية، متحدثًا باسم عشرات الجهات، وملقيًا كلمات عن معاناة غزة تحت الحصار.

هذه المواقع لم تكن شرفية، بل وفّرت له غطاءً قانونيًا واجتماعيًا لإدارة شبكة مالية كاملة، يتحكم فيها بالمال والخطاب والعمليات الميدانية.

نور النجار: واجهة إعلامية لاستدرار التبرعات

قامت نور النجار بإدارة الحملات الإعلامية، مستغلة المنصات الرقمية لاستدرار العواطف وجمع التبرعات. تحركاتها لم تكن مستقلة، بل ضمن الإطار الذي رسمه البنا، يشمل توقيت الحملات، آليات جمع التبرعات، والرسائل الموجهة للمتبرعين.

رغم نشاطها المكثف، لا توجد تقارير مفصلة عن الأرقام أو المستفيدين، ولا أي كشف يمكن التحقق منه. المال يتدفق من الخارج، بينما أثره على الأرض يكاد يكون معدومًا، ليبقى الفقراء عاجزين عن الحصول على أدنى مقومات الإغاثة.

فهمي شراب: الحلقة التنفيذية المساندة

أُسند إلى فهمي شراب دور الحلقة التنفيذية، متنقّلًا بين الترويج وجمع التبرعات، وتكرار الرواية نفسها عن “التدخلات الإنسانية”. إلا أن كل تحركاته كانت ضمن شبكة البنا، دون أي استقلالية أو شفافية، ما يضعه كشريك مباشر في إدارة الأموال المشبوهة وليس مجرد متطوع أو ناشط.

محمود صلاح العمودي (أبو صلاح): الغطاء الديني–الإعلامي

يبرز محمود صلاح العمودي، المعروف بلقب “أبو صلاح”، كأحد العاملين ضمن الدائرة التي تتحرك تحت مسؤولية نزيه البنا في جمع التبرعات. العمودي صحفي وإعلامي فلسطيني معروف، يعمل في إذاعة صوت الأقصى، وهو ما وفّر للشبكة غطاءً دينيًا وإعلاميًا مؤثرًا، استُخدم في الترويج لحملات جمع الأموال باسم الإغاثة ونصرة المنكوبين. هذا الدور لم يكن منفصلًا أو عفويًا، بل جاء ضمن المنظومة نفسها التي تُدار من الأعلى، حيث يُستثمر الخطاب الديني لاستدرار الأموال، بينما تُنهب التبرعات ولا يصل منها شيء يُذكر إلى مستحقيها، في مشهد يفضح توظيف المنابر الإعلامية والدينية لتبرير السرقة وتحويل معاناة غزة إلى مورد مالي.

زيد نعيم ماضي: الذراع المالية

برز زيد نعيم ماضي، المعروف باسم بشر الصابرين، كذراع مالية رئيسية، مستفيدًا من شعبية “تيك توك” وعلاقاته الدولية. قبل العيد، جمع نحو 800 ألف يورو من متبرعين في ألمانيا، القدس، وبريطانيا، تحت عنوان الإغاثة العاجلة لغزة. المبالغ لم تظهر أي أثر ملموس، لا بيانات توزيع، لا كشوفات مالية، ولا صور موثوقة لمستفيدين.

الأكثر صدمة هو ما تردد عن استخدام جزء من الأموال في مشاريع شخصية، تجهيزات باهظة، سيارات، وأنظمة طاقة شمسية تُقدّر بعشرات آلاف الدولارات، في وقت لا يجد فيه أطفال غزة كسرة خبز.

هذه الوقائع توضح أن المال لم يذهب للغرض الإنساني المعلن، بل استُثمر في مظاهر رفاهية للنخبة نفسها.

منظومة هرمية واحدة

بهذا التوزيع الوظيفي، تتضح صورة منظومة منظمة وهرمية: رأس يدير ويوجّه، وواجهات تسوّق وتجمع، وأذرع مالية تستقبل وتصرّف، بينما يبقى الفقراء خارج أي حساب. ما يجري ليس سوء فهم أو أخطاء فردية، بل نموذج صارخ لتجارة منظمة باسم غزة، سرقة مغطاة بالدعاء وخيانة مباشرة لأمانة المال والدم.

قد يفلت بعض المتورطين مؤقتًا من المساءلة، وقد تغيب الجهات الرقابية، لكن الحقيقة لا تُقصف ولا تُحاصر.

أموال الفقراء لا تسقط بالتقادم، ومن تاجر بالجوع سيطارده السؤال، ومن سرق باسم الله سيقف أمام حساب لا محكمة فيه ولا وساطة.

في غزة، يمكن أن يُدمَّر كل شيء… إلا الحقيقة.

والحقيقة هنا واحدة لا لبس فيها: أموال المنكوبين سُرقت، ومن سرقها لن ينجو من الحساب.

You may also like

تحقيقات خاصة

سفر ملاك فضة… فضيحة إنسانية تكشف شبكة فساد تمتد من غزة إلى المستشفى الميداني الأردني

في قطاع غزة المدمر، حيث يتنفس المرضى على قوائم الانتظار والموت يتربص بالأطفال ومرضى السرطان، تفجرت قضية سفر المبادِرة ملاك
تحقيقات خاصة

جيش الظل الرقمي.. ذراع حماس الخفية لتشويه الخصوم وابتزاز التجار

في فلسطين اليوم، لم يعد السجن جدرانًا من إسمنت وحديد. هناك سجن آخر، أشدّ قسوة وأخفى أثرًا: سجن رقمي تديره